أبي هلال العسكري
272
الصناعتين ، الكتابة والشعر
حقيقته شدة الغليان ، وإنما ذكر الغيظ ؛ لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس ، ولأن الانتقام منا يقع على قدره ؛ ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة . وقوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ معناه ذهب ، وسكت أبلغ ؛ لأن فيه دليلا على موقع العودة في الغضب إذا تؤمل الحال ، ونظر فيما يعود به عبادة العجل من الضرر في الدين ، كما أن الساكت يتوقّع كلامه . وقوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وحقيقته ذر بأسى وعذابي ؛ إلا أن الأول أبلغ في التهدد ؛ كما تقول إذا أردت المبالغة والإيعاد : ذرني وإياه ، ولو قال : ذر ضربي له وإنكاري عليه لم يسدّ ذلك المسد ، ولعله لم يكن حسنا مقبولا . وقوله عز وجل : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ معناه كشفنا الظلمة ، والأول أبلغ ؛ لأنك إذا قلت : محوت الشئ فقد بينت أنك لم تبق له أثرا ؛ وإذا قلت : كشفت الشئ مثل الستر وغيره لم تبن أنك أذهبته حتى لم تبق له أثرا . وقوله سبحانه : وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً حقيقته مضيئة ، والاستعارة أبلغ ؛ لأنها تكشف عن وجه المنفعة ، وتظهر موقع النعمة في الإبصار . وقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً حقيقته كثر الشيب في الرأس وظهر ، والاستعارة أبلغ ؛ لفضل ضياء النار على ضياء الشيب ، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه ، ولأنه لا يتلافى انتشاره في الرأس ، كما لا يتلافى اشتعال النار . وقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ، حقيقته بل نورد الحقّ على الباطل فيذهبه . والقذف أبلغ من الإيراد ؛ لأن فيه بيان شدة الوقع وفي شدة الوقع بيان القهر ، وفي القهر هاهنا بيان إزالة الباطل على جهة الحجة ، لا على جهة الشك والارتياب ، والدمغ أشد من الإذهاب ، لأن في الدمغ من شدة التأثير وقوة النكاية ما ليس في الإذهاب . وقوله تعالى : عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ وقوله عز اسمه : إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ فالعقيم التي لا تجيء بولد ؛ والولد من أعظم النعم ، وأجسم الخيرات ؛ ولهذا قالت العرب : شوهاء ولود ، خير من حسناء عقيم .